التفاصيل
أرقى ما تصل إليه بيئةٌ حاضنةٌ لقضيةٍ أو خيار، أن تعبّر في ميدان المواجهة مع الأعداء عن شراكتها في الالتزام والتضحية وتحمّل الأعباء الثقيلة والمكلفة، لتجسيد الثبات والصمود، وتقديم الأملاك والأرزاق، وبذل الدماء جنباً إلى جنب المقاومين الأبطال المدافعين عن الوجود والسيادة وكرامة الشعب والوطن والانتماء الحضاري.
صورتان معاصرتان تعكسان هذا الرقي الإنساني البديع والحضاري في تاريخ الشعوب. صورة شعبنا المقاوم الذي ينزف شهداء وجرحى من أبنائه الشجعان في ميدان التصدي للعدو الصهيوني، كما ينزف ألماً وصبراً على محنة مفارقة الأحبّة والأرض، ومغادرة القرية والمساكن والجيران، والنزوح الثقيل على النفس، والمثقل بالهموم والآمال، وبسوء فهم الشركاء في الوطن لأهمية التصدي للعدو ومواجهة احتلاله واعتداءاته وطغيانه.
والأعظم من كل ما في هذه الصورة، كتمُ الضَّجَر والغضّ عن الهفوات والمتابعةُ التفصيلية لمجريات المواجهة بين أبنائهم وإخوانهم وبين الغزاة الأعداء، ودوامُ الدعاء والتضرع إلى الله كي يمنَّ على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، بالنصر والعزّ والفخار.
والصورة الأخرى يجسّدها شعب إيران العظيم الذي يظهر بوضوح، أمام العالم كله، وكأنه صفّ مرصوص، موحّد ومتماسك، داعم لقواه المسلحة، واثق بقيادته الحكيمة، معتزّ بوطنيته ورسالته الحضارية، متفهّم لحجم متطلبات الصمود، في وجه أعتى وأوحش القوى المعادية للإنسان ولكرامة الشعوب ولسيادة الأوطان، وموطّن النفس على التضحية بكل ما لديه من جهد ومال ودم لحماية الجسور والمحطات والبنى التحتية، ومعبّراً بشكل يومي، في مختلف ساحات المدن على امتداد الوطن، عن دعمه وتأييده ومساندته لأبطاله البواسل المدافعين عن الوطن والشعب والكرامة ضد عدو طاغوتي مستكبر، وعدو صهيوني متوحش.
هاتان الصورتان تعبَّران وحدهما عمَّن يستحق الاحترام والإكبار، وعمّن هو أهل للانتصار من أجل مستقبل الشعوب وضمان الأمن والاستقرار في العالم.
أن تبلُغَ البيئة الحاضنةُ ذروةَ العطاءِ والبذلِ في معركة حفظ الوجود، فمعنى ذلك أن العدو لهذه البيئة هو أقذر وأحقر من أن يتسلّم في أي مكان أو بلد في العالم موقع مسؤولية في أي مستوى من المستويات، وأن العالم بأسره معني بإيجاد السبل لمنع وصول أمثال هذا العدو إلى مواقع تتيح له تقرير شؤون الدول والشعوب.
التشارك الأميركي - الصهيوني في العدوان على لبنان وإيران، يكشف للإنسانية خطيئة السكوت والتكيّف إزاء أي اعتداء وأي معتدٍ. ذلك أن من يصفّق العالم لعدوانه في يوم من الأيام، سيلقى من يصمت أمام مظلوميته إذا ما تعرّض يوماً لاعتداء.
ومن كافأ معتدياً ووافق على مشاركته في إدارة شأن عام، سيندم حكماً على فعلته حين يصل سيف بغي العدوان إلى رقبته.
الشرقيون مدعوون إلى مراجعة مدى مطابقة أدائهم لمُثلِهِم وقيمهم الرسالية والحضارية. والغربيون مدعوون أيضاً إلى مراجعة بعض مثُلهم ومبادئهم الحضارية، ومدى كارثية الاستمرار في ارتكاب أخطاء كثيرة متكررة، في أكثر من بلد ومع أكثر من شعب.
وليسترشد الفريقان معاً بالصورتين الآنفتين للشعبين المقاومين في لبنان وإيران، وليستذكرا صورة أهل غزة أيضاً، علّهما يدركان أن الحروب ضد مثل هذه الشعوب تنتهي فقط عندما تتحقق إرادتها في حفظ السيادة والكرامة والاستقرار.




