التفاصيل
لعلّ اللحظة الراهنة هي اللحظة التاريخية المناسِبة للتأمّل الواقعي في المُكتسبات المُرتقبة جرّاء انكسار وهم التفوّق الصهيوني في المنطقة، من دون الذهاب بعيداً لتخيّل زوال الكيان الغاصب وامِّحاء دوره ووظيفته في هذه البقعة من العالم.
عندما نتحدّث عن وهم التفوّق الصهيوني فإنما نستبطن ضمناً الإشارة إلى النزعة العنصرية التي تُغذّي ذاك الوهم من جهة، ونقصد التلميح، أيضاً، إلى أن التفوّق الصهيوني ليس قدراً ألَّا يُقاوَم، بقدرِ ما هو نتاج خللٍ عقائدي وظروفٍ تاريخيةٍ مُركّبة، من بينها عجز النظام العربي وقصور رؤيته الإستراتيجية المُعتمدة وانفصامه عن تطلّعات الجمهور العربي وآماله، وعدم جدّيته في تحمّل مسؤولية إثبات الوجود وتطوير القدرات وتحقيق الاستقلال والسيادة الحقيقية، استناداً إلى الإرادة الشعبية والتمسّك بالقيم والمبادئ التي يعتمدها المنطق الإنساني والوحي الرسالي، فضلاً عن القانون الدولي والمؤسسات التي تنهض بمراعاته وتنفيذ مقتضياته.
نعود إلى اللحظة لنؤكّد أن الكيان الصهيوني الذي أُنشئ على حين غفلةٍ بتواطؤ يستجيب لمصالح الغرب المنتصر على الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين الماضي، وبرعونةٍ وخفّةٍ وقصورٍ وتقصيرٍ من زعامات حركة ما سُمّي بالثورة العربية آنذاك، وصل منذ نشأته في عام 1948، وإلى يومنا هذا، إلى مرحلة متقدّمة من تثبيت الاحتلال وتفعيل النفوذ ومراكمة القدرات وتكريس الفاعلية والدور على مستوى إدارة المصالح في المنطقة، وعلى مستوى تمدّد وعمق العلاقات الدولية مع العديد من الدول في مختلف قارّات العالم. وقد بلغ اعتداده بالتفوّق حدّ التنمّر على الدول وسياداتها وعلى الأمم المتحدة والقانون الدولي بسبب الاحتضان الكلّي التامّ من قبل الإدارة الأميركية، خاصة في عهد ترامب الذي يتصرّف وفق منطق القوة، بمعزل عن القانون الدولي، ويُطلِق يد الكيان الصهيوني وعدوانيته لاستباحة أمن البلدان وسيادتها ومصالحها والاستقواء بأميركا وبقدراتها، إضافة إلى قدراته المفتوحة والمدعومة دوماً من الغرب على وجه العُموم.
وفي حروبه وصراعاته العسكرية والسياسية ضدّ الأنظمة العربية، استطاع الكيان الصهيوني برعاية الإدارات الأميركية الداعمة له استدراج مصر السادات والأردن ومنظّمة التحرير الفلسطينية وبعض أنظمة الخليج والمغرب العربي، إلى منزلق التصالح والرهان على التسويات المنفردة الواحدة تلو الأخرى، وتظهير غطرسته مع الهيبة والتفوّق بالاستفادة من قوة علاقته بأميركا واستناده إلى هيمنتها.
وحدَها إيران الجمهورية الإسلامية، ومنذ انتصار ثورتها ونظامها السياسي على النظام التابع البائد، وبسببٍ من مبدئيتها وإيديولوجيّتها الحازمة، التزمت استراتيجياً بقضية فلسطين كقضية مركزية للأمة الإسلامية، ترى في نصرتها قوةً ووحدةً ونهوضاً للدول الإسلامية وأساساً العربية، وانتصاراً لحقّ الشعب الفلسطيني ولعدالة قضيته، كما ترى في تحرير الشعب الفلسطيني أرضه وفي تقرير مصيره بالعودة إلى كامل تُرابه المُحتلّ وإنهاء الكيان الصهيوني الغاصب حقاً مشروعاً إنسانياً ودولياً وقانونياً، لا يقف دون تحقّقه ضغط أو تآمر أو إخضاع أو إغواء. ولذا عَمَدَت مُنذ تأسيسها، واستناداً إلى رؤية المؤسّس والمرشد الإمام الخميني (قدّس سره)، ومتابعة وعناية الإمام القائد السيد الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه)، إلى التزام مبدأ نصرة القضية الفلسطينية والتوجّه الثابت نحو بناء القدرات والإمكانات المناسِبة لتحقيق هذا المبدأ، ومواجهة الكيان الصهيوني ومن يدعمه من دول الاستبداد والهيمنة، وعلى رأسها أميركا التي وصفها مُفجِّر ومُلهِم الثورة الإسلامية بأنها الشيطان الأكبر.
خلال سنوات البناء والتثبيت، واجهت الجمهورية الإسلامية الكثير من المعوقات والمؤامرات بهدف احتوائها وتغيير عقيدتها وإستراتيجتها، لكنها تخطّت كل تلك المخطّطات بمزيد من الثقة والقوة والثبات على النهج، واكتشفت أيضاً أن الكيان الصهيوني ما كان ليكون بالمستوى الذي هو عليه من القدرات الأمنية والعسكرية لولا تواصل الاحتضان والرعاية والدعم من الإدارة الاميركية والغرب عموماً، سواء...




